الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الفقيه والداعية الإسلامي البارز الذي عاش في القرن الثامن عشر، وهو مؤسس الحركة الوهابية التي نشأت في جزيرة العرب، وأثّرت بشكل كبير في التاريخ الإسلامي والسياسي للمنطقة. يُعتبر محمد بن عبد الوهاب من أبرز الشخصيات التي أثرت في التفكير الإسلامي وفق مذهب التوحيد والإصلاح.
كتب محمد بن عبد الوهاب تتمحور حول فهمه العميق للتوحيد والتأكيد على أصول الدين الإسلامي النقية والبعيدة عن الابتداعات والتحليلات الزائفة التي انتشرت في ذلك الوقت. من أهم أعماله “كتاب التوحيد” الذي يعد مرجعاً رئيسياً في فهم الإسلام من منظور أهل السنة والجماعة وأصول التوحيد وتجنيب الشرك بأنواعه.
يشتهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتأكيده على أهمية العودة إلى الكتاب والسنة كمصادر رئيسية للتشريع الإسلامي، ودعوته إلى التخلص من البدع والتزام الدين بطريقة صريحة وبسيطة. بفضل أسلوبه الواضح والمباشر، نجحت أفكاره في الانتشار والتأثير على مختلف الطبقات في المجتمع الإسلامي.
باختصار، محمد بن عبد الوهاب هو شخصية أثرت بشكل كبير في الفكر الإسلامي بمؤلفاته التي تجسد دعوته إلى التوحيد والإصلاح، وتعتبر مرجعاً للدراسات الإسلامية المعاصرة والفهم الصحيح للدين الإسلامي بمنهجه الوسطي والمعتدل.
يُعد الشيخ محمد بن عبد-الوهاب واحدًا من أبرز العلماء والمصلحين في التاريخ الإسلامي، وقد أسهم فهمه العميق للقرآن والسنة في توجيه حركة إصلاحية امتدت آثارها بعيدًا في الزمن والمكان. وُلد محمد بن عبد-الوهاب في 18 رجب 1115 هـ (1703 م) في العيينة بمنطقة نجد في الجزيرة العربية، في أسرة ذُرِّيت عنها عِلم ديني عريق. منذ نعومة أظافره كان محاطًا بالعلم، إذ كان والده من العلماء والزهاد الذين يولون حفظ القرآن وفهم النصوص الشرعية أهمية كبرى داخل الأسرة والمجتمع. وقد شكّل هذا الجوّ العام حجر الأساس في تكوين وعيه الديني والفكري منذ الصغر.
في بيئة العيينة تعلم محمد بن عبد-الوهاب مبادئ القراءة والكتابة، وتمكّن في سن مبكرة من حفظ أجزاء من القرآن الكريم، وهو ما مكّنه فيما بعد من التعامل مع النص الشرعي بشكل مباشر دون وسائط. لم يكن حفظ القرآن عنده مجرد واجب ديني، بل كان بداية لرحلة معرفية كبيرة ستتوسع مع تقدّمه في مراحل التعليم اللاحقة.
التعليم المبكّر ومرحلة الطلب الأولى
بعد إنهاء القراءة والكتابة وحفظ القرآن، شرع الشيخ محمد في دراسة العلوم الشرعية الأساسية في حلق التحفيظ والدروس في بلدته، وكان يحضر مجالس الحديث والفقه ويتلقّى العلم على أيدي شيوخها. وقد تميّز في هذه المرحلة بقدرته على الفهم العميق والاستيعاب السريع، كما اهتم منذ البداية بالبحث عن المعنى الحقيقي وراء النصوص لا مجرد حفظها.
كان أسلوبه في تلك السنوات يتسم بالجدّ والاجتهاد، إذ كان يقضي الكثير من الوقت في الدرس والمذاكرة والتأمل، ويتنقّل بين حلق العلم في القرى والمدن المجاورة لطلب العلم. وقد أكسبته هذه المرحلة الأولى قدرة على التعامل مع نصوص الحديث والفقه واللغة العربية، وهو ما سيجعله مؤهلًا لاحقًا للتعامل مع النصوص الأصعب والأعمق.
الدراسة في الحِجَر العلمية: تعميق الفهم وتحصيل المعارف
مع تقدّم عمره، اتجه الشيخ محمد بن عبد-الوهاب إلى ما يعرف بالحِجَر العلمية — وهي دور الطلبة في حلق العلم، حيث يتلقّى الطلبة دروسًا معمّقة في مختلف العلوم. وقد تعرّف في هذه المرحلة على أُسس العربية النحوية والبلاغية، وهو ما ساعده في فهم النصوص الشرعية باعتبارها لغة متقنة، لا مجرد نصوص تُحفظ دون إدراك.
كما درس في تلك المرحلة أصول الفقه وموارد الاجتهاد، وبدأ يفهم الفرق بين الآراء الفقهية المختلفة، ولماذا يكون العمل بمذهب ما أو ترك آخر مرتهنًا بالفهم الحقيقي للنصوص ومدى تطابقها مع كتاب الله وسنة رسوله. وهذه المرحلة كانت نقطة تحول في تكوينه المعرفي؛ فقد بدأ ينظر إلى النصوص بعيون تحليلية ونقدية، ولم يعد يقبل التلقّي الأعمى للآراء دون بيان الدليل واستيعابه.
احصل على رواية بهاء طاهر
الإقامة العلمية في الحجاز: امتداد الأفق المعرفي
سعى الشيخ محمد بن عبد-الوهاب إلى توسيع مداركه، فانتقل إلى الحجاز ليتعرّف إلى المدارس العلمية الكبرى في مكة المكرّمة والمدينة المنوّرة. وهناك احتكّ بعلماء كبار، ودرس كتب الحديث المتقدمة، وتمعّن في علوم التفسير وأصول الدين، كما حضر حلقات في العقيدة وأحكام الشريعة. وقد أكسبته هذه التجربة التعليمية بعدًا عالميًا في فهم النصوص، إذ لم يعد مقيدًا بالبيئة المحلية فحسب، بل صار قادراً على الاطلاع على مصادر متعددة ويوازن بينها.
في الحجاز أيضًا تعرّف إلى الفرق الكلامية الفلسفية والفقهية المختلفة، فكان يستخلص من ذلك معرفة دقيقة بكيفية التمييز بين الدين الصحيح والتفسيرات المبتدعة. وقد ساعدته هذه الخبرة على أن يكون مُصلِحًا لا مُقلِّدًا، وأن يُقدِّم رؤى قيّمة تعبّر عن نصوص الإسلام في سياقها الصحيح.
استكشف كتب أحمد خالد توفيق
التعليم الذاتي: قراءة التاريخ والنصوص بوعي نقدي
رغم أهمية الدراسة في الحِجَر العلمية والحجاز، لم يكتفِ الشيخ محمد بن عبد-الوهاب بما تعلّمه في هذه المؤسسات فقط، بل تابع التعلّم الذاتي عبر قراءة وفهم أعمق في مصادر الإسلام المختلفة، بما يشمل كتب التفسير، الحديث، الفقه، وعلم العقيدة. لقد كان يعتبر أن التعليم لا يتوقّف عند حدود المكان أو الوقت، بل هو أسلوب حياة يستمر مع كل قراءة وتأمّل.
وكان يهتم بفهم السياق التاريخي للنصوص، والعلاقة بين العبادات والمعاملات، والتأويل الصحيح للنصوص بعيدًا عن التأويلات التي تُنتج تناقضات بين النص والواقع. وقد وضع هذه القراءة الذاتية ضمن منهج تربوي داخلي يربط بين ما يتعلّمه في المدارس العلمية وما يواجهه في واقع الحياة الاجتماعية.
التطبيق العملي للمعرفة وولادة المنهج الإصلاحي
بعد أن استكمل تعليمه، دفع الشيخ محمد بن عبد-الوهاب نفسه إلى التطبيق العملي للمعرفة التي تحصّل عليها، فكان يُدرّس في حلق العلم، ويُحاضر في الاجتماعيات، ويُقدِّم فتاوى تُعالج ما يشعر به المجتمع من ابتعاد عن النصّ الشرعي. وقد أدرك من تجربته التعليمية أن التعليم ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لتغيير الوعي، وأن ما يتعلّمه الإنسان يجب أن يُترجَم إلى حياة عملية تعكس الصلاح والعدل والرحمة.
كان التعليم عنده أداةً لتحرير الفهم — أي لإخراج النصوص من صناديق الجمود إلى فضاء الحياة، بحيث يفهمها الناس فهمًا صحيحًا يربط بين الدين والواقع. ومن هذا المنطلق نشأت دعوته الإصلاحية التي دعت إلى العودة إلى الكتاب والسنة وتفادي ما يُعتقد أنها إضافات بشرية تُغلّف الدين بطبقات من التفسير غير المستندة إلى النصّ الصحيح.
اكتشف مكتبة اونلاين مصر